السيد محمد الصدر
386
تاريخ الغيبة الصغرى
من خلقه . فإذا استطاع الفرد أن يسير سيرا حسنا في استنتاجه ، استطاع الوصول إلى الحق لا محالة . ومن هنا ، شجب القرآن تقليد الآباء لمنافاته الصريحة مع تلك القضايا الأولية الواضحة . ولئن كان القصور ، وهو الجزء الأقل من أسباب الانحراف في العالم ، موجب للعذر عقلا وشرعا ، فان الاضطرار غير المباشر ، وهو الجزء الأغلب من الأسباب ، غير موجب للعذر أساسا . لوجود الاختيار والمسؤولية فيه إلى درجة كافية . وخاصة بعد اتضاح معالم الحق ، وقيام الحجة والبرهان عليه وإمكان التضحية في سبيله إلى درجة معقولة ، من قبل الفرد العادي . إذن ينتج من هذه المقدمات الثلاث : إن المسؤولية القانونية ، وان كانت متوفرة للمنحرفين في عصر الغيبة الكبرى ، ولم يكن البشر معذورين في عقائدهم وأعمالهم الباطلة . إلا أن الظروف التي يعيشونها تكفكف من عمق المسؤولية وتقلل من درجتها ، بمقدار ما تقلل من درجة الاختيار ، وتجعل الحافز على الانحراف ، قويا فعالا . وإلى مثل ذلك ، وما يشبهه تشير الرواية التي أخرجها الشيخ في الغيبة « 1 » بطريق صحيح عن زرارة عن جعفر بن محمد عليه السلام أنه قال : حقيق على اللّه أن يدخل الضّلال الجنة . فقال زرارة : كيف ذلك جعلت فداك ؟ قال : يموت الناطق ولا ينطق الصامت ، فيموت المرء بينهما ، فيدخله اللّه الجنة . والشرح الأولي لهذه الرواية : ان المراد من الضّلال بالتشديد : المنحرفين من المسلمين ، وإدخالهم الجنة إنما يكون بسبب قلة المسؤولية التي أشرنا إليها ، حتى تكاد تنعدم فينعدم العقاب بالمرة . وذلك في ظرف معقد خال من التبليغ الاسلامي ، عند موت الناطق بالحق ، وصمت الموجود . وقد يراد بالناطق والصامت ، الأئمة المعصومين عليهم السلام . فيراد بالصامت الإمام المهدي ( ع ) وبالناطق من قبله منهم عليهم السلام . وتكون الفترة المشار إليها ، هو عصر الغيبة الكبرى الذي نؤرخ له . كما قد يراد بالناطق والصامت أيّ مفكر ومبلغ إسلامي وداعية إلى الحق سواء كان معصوما أو لا .
--> ( 1 ) ص 277 .